ابن كثير

259

البداية والنهاية

بطلب دم عثمان ، لأنه قتل مظلوما في شهر حرام وبلد حرام . وتلت قوله تعالى * ( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ) * [ النساء : 114 ] فخرجا من عندها فجاءا إلى طلحة فقالا له : ما أقدمك ؟ فقال : الطلب بدم عثمان ، فقالا : ما بايعت عليا ؟ قال : بلى والسيف على عنقي ، ولا أستقبله إن هو لم يخل بيننا وبين قتلة عثمان . فذهبا إلى الزبير فقال مثل ذلك ، قال : فرجع عمران وأبو الأسود إلى عثمان بن حنيف ، فقال أبو الأسود : يا بن الأحنف ( 1 ) قد أتيت فانفر * وطاعن القوم وجالد واصبر * واخرج لهم مستلثما وشمر * فقال عثمان بن حنيف : إنا لله وإنا إليه راجعون ، دارت رحا الاسلام ورب الكعبة ، فانظروا بأي زيفان نزيف ، فقال عمران إي والله لتعركنكم عركا طويلا ، يشير عثمان بن حنيف إلى حديث ابن مسعود مرفوعا " تدور رحا الاسلام لخمس وثلاثين " الحديث كما تقدم ، ثم قال عثمان بن حنيف لعمران بن حصين : أشر علي ، فقال اعتزل فإني قاعد في منزلي ، أو قال قاعد على بعيري ، فذهب فقال عثمان : بل أمنعهم حتى يأتي أمير المؤمنين ، فنادى في الناس يأمرهم بلبس السلاح والاجتماع في المسجد ، فاجتمعوا فأمرهم بالتجهز ، فقام رجل وعثمان على المنبر فقال : أيها الناس إن كان هؤلاء القوم جاؤوا خائفين فقد جاؤوا من بلد يأمن فيه الطير ، وإن كانوا جاءوا يطلبون بدم عثمان فما نحن بقتلته ، فأطيعوني وردوهم من حيث جاؤوا ، فقام الأسود بن سريع السعدي فقال : إنما جاؤوا يستعينون بنا على قتلة عثمان ومنا ومن غيرنا ، فحصبه الناس ، فعلم عثمان بن حنيف أن لقتلة عثمان بالبصرة أنصارا ، فكره ذلك ، وقدمت أم المؤمنين بمن معها من الناس ، فنزلوا المربد من أعلاه قريبا من البصرة ، وخرج إليها من أهل البصرة من أراد أن يكون معها ، وخرج عثمان بن حنيف بالجيش فاجتمعوا بالمربد ، فتكلم طلحة - وكان على الميمنة - فندب إلى الاخذ بثأر عثمان ، والطلب بدمه ، وتابعه الزبير فتكلم بمثل مقالته فرد عليهما ناس من جيش عثمان بن حنيف ، وتكلمت أم المؤمنين فحرضت وحثت على القتال ، فتناور طوائف من أطراف الجيش فتراموا بالحجارة ، ثم تحاجز الناس ورجع كل فريق إلى حوزته ، وقد صارت طائفة من جيش عثمان بن حنيف إلى جيش عائشة ، فكثروا ، وجاء حارثة ( 2 ) بن قدامة السعدي فقال : يا أم المؤمنين ! والله لقتل عثمان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل عرضة السلاح ، إن كنت أتيتينا طائعة فارجعي من حيث جئت إلى منزلك ، وإن كنت أتيتينا مكرهة فاستعيني بالناس في الرجوع وأقبل حكيم بن جبلة - وكان على خيل عثمان بن

--> ( 1 ) في الطبري والكامل : يا بن حنيف . ( 2 ) في الطبري والكامل : جارية .